ابن الفارض
173
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
لأن من جملة أركان الحجّ ومناسكه الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة عقبتين بقرب البيت ، وقوله : ( طوافي ) مبتدأ خبره ( حولي ) قدّمه ليفيد القصر ، ونصب ( حقيقة ) على التمييز ، أي : طوافي المعنوي ليس في الحقيقة إلّا حول ذاتي ، وسعي من صفاي إلى مروتي ، أي : آخرتي كائن لابتغاء وجهة ذاتي لا لشيء آخر غيري ، وفسرنا العقبتين بالدنيا والآخرة لأنهما عقبتان حائلتان في الطريق لا يتيسر للسالك الوصول إلى الذّات إلّا بعد قطعهما ، وتخليتهما طريق الوصول ؛ كما قيل : أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا * سبيل الصبا يخلص إلى نسيمها وهذا المعنى في الدنيا ظاهر ، وأمّا في الآخرة فلأنها حجاب الحقّ ؛ إذ الوقوف مع الجنّة وقوف مع النّعم وبعد عن المنعم ، وتخصيص تشبيه الصفا بالدنيا والمروة بالآخرة تخصيص ابتداء السّعي بالصفا والانتهاء إلى المروة ، وهذا التشبيه يتضمن معنى استعارة لفظي الصفا والمروة للدنيا والآخرة على ما أظنه ، والصفا : الحجر الأملس لغة ، والمروة واحدة من المروة ، وهي حجارة بيض برّاقة يقدح منها النار ، وقوله [ 216 / ق ] : وفي حرم من باطني أمن ظاهري * ومن حوله يخشى تخطّف جيرتي بيان مشابهة أخرى تامّة بين باطنه والحرم ؛ لأن من خواص الحرم أن لا يتخطّف منه أحد بل يكون الداخل فيه آمنا من التخطّف ؛ كما قال سبحانه : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [ آل عمران : الآية 97 ] ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في وصف الحرم : « لا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يعضد شوكها ولا يقطع شجرها ، ولا يقتل الملتجي ما دام فيها ، ومن كان خارجا عنه وإن كان حوله يكون عرضة للتخطّف » ، كما قال تعالى : وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ العنكبوت : الآية 67 ] ، وللقلب السليم مشابهة في هذه الخاصية ؛ لأن النفس وقواها التي عبّر عنها بالظاهر كما دخلت حرم القلب وصولها إلى مقام الرّضى والطمأنينة المخصوصين بالقلب ، وحينئذ تختصّ بقبول الخطاب الأزلي في قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي ( 27 ) [ الفجر : الآيتان 27 ، 28 ] الآية ، ومن لم يلج باطن القلب سواء بلغ محلّ الصدر كعلماء الظاهر ، أو لم يبلغ كأصحاب النفوس وأرباب الطبائع فهم معذّبون بعذاب التفرقة ؛ كما قال سبحانه : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [ الحديد : الآية 13 ] ، وأراد ( بالجيرة ) العلماء البالغين مبلغ الصدر ، لأنهم أهل المجاورة لمن دخل